|
محمــد هــــلال ليس النهوض
بالطفل مقصورا علي بناء الجسم فقط وإنما بناء العقل
له الدور الكبير, ومن وسائل ذلك القراءة وتلك هي
المشكلة, فقليلون هم كتاب الطفل المميزون في
عالمنا ومن يفكرون بطريقة تلائم سني عمره
المختلفة, وقليلون جدا من يتبنون بجدية نشر تلك
الإبداعات برغم قلة العائد المادي من وراء هذا
الاستثمار الصعب, بما يؤكد أن المغامرة بتبني نشر
كتب الأطفال بشكل مميز يليق بطفل الألفية الثالثة
وسط المغريات العديدة من وسائط الإعلام وعالم
الإنترنت, رسالة أشبه بحياة الجنود, ولكن علي
ثغر الثقافة التي تحافظ علي المباديء والقيم
والتقاليد. ومن تلك المؤسسات دار البلسم والتي
أخذت علي عاتقها نشر تلك الثقافة بشكل مميز, وقد
حفلت العناوين العديدة لتلك الدار بكتاب الدكتورة
نعمات أحمد فؤاد إلي ابنتي والتي لم تجد القناة
الأولي للتليفزيون المصري خيرا منه للاحتفاء بعيد
الأم, فهو الكتاب العربي الوحيد من بين عشرة كتب
علي مستوي العالم تحتفي بالطفل تختاره منظمة
اليونيسيف ليمثل وجدان الأم العربية تجاه أبنائها.
وكذا العناوين التي لامست واقع الطفل العراقي وكيف
كافحت إحدي المعلمات لإنقاذ مكتبة المدرسة ـ تاريخ
العرب ـ من عملية التدمير الأمريكي الوحشي لهذا
التاريخ العريق. واليوم تقدم للطفل المصري
والعربي ترجمة لواحدة من الروايات الإنجليزية
المدهشة والتي حصلت علي ست جوائز عالمية للكتابة
وخمس جوائز للتصميم للكاتب الإنجليزي ج. ك مايكلز
بعنوان الضفدع الناري ـ رحلة إلي قلب الفكر قام
بالترجمة المميزة جدا مني الدروبي. والضفدع
الناري, رواية مدهشة لا تقدم في السرد القصصي أو
الحكايا مادة لغزو عقل وقلب القاريء الصغير, وإنما
هي نظرة فلسفية يجد فيها الطفل بغيته وتسليته,
ويجد فيها الكبار ما يداعب نظرتهم الفلسفية
للوجود, ولعل المقدمة الصغيرة للرواية تحمل في
كلماتها القليلة تلك النظرة العميقة حتي يمكننا أن
نقول إنها رواية كل الأعمار تقول المقدمة: إلي
جوليا.. هذه الفتاة الصغيرة التي سيتبدل مفهومها
لهذه القصة كل عقد من عقود حياتها. ولأن
للرواية مذاقها الخاص فقد صدرها مؤلفها بأكثر من
تمهيد يلائم كل قاريء حسب سنوات عمره, فهناك تمهيد
للصغر وآخر للمراهقين وثالث للكبار هي تهيئة للقراءة
المنشودة ليس خلفية يصف من خلال المؤلف الشخصيات
والحبكة القصصية والمكان وهكذا, وإنما الهدف منها
تقديم أساس وركيزة للأفكار التي تربط عالمنا اليومي
بالدراما والإثارة الفلسفية واكتشاف نظرة فريدة
للحياة, ومن الطريف أن يترك لك المؤلف حرية أن
تقرر سنوات عمرك الحقيقي, هل هو عدد السنين التي
عشتها أم العمر الذي تشعر به فعلا؟ وبعدها تقرر
القراءة, هي إذن رواية رمزية تذكرنا بما كان يقدمه
الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم من إعمال الذهن
والفكر خصوصا رائعته مصير صرصار. الرواية بطلها
ضفدع عجوز يروي مغامراته ومفاجآته التي أولاها أن له
رجلين فقط وليس أربعة كالمعتاد, وهنا تتجلي
الإرادة فهو لا يشعر بنقص بل بتفوق يجلب له الأمان
برغم حزنه لصغر حجمه في عالم شاسع واسع, ومن هنا
تبدأ المغامرات والمشاهدات في الضفدع العجوز
المتقوقع علي نفسه والثعبان الذي يتمدد ويتلوي
فالحياة ـ كما يقول ـ ماهي إلا رحلة رائعة نحو
المجهول. ويعود وصف الناري لأن بطن الضفدع بلون
النار, وفي أجزاء الرواية الثلاثة والتي يضيق
المقام عن
عرضها بالتفصيل يقدم لنا الضفدع رحلة الإصرار علي
النجاح وتحدي العقبات برغم ظروفه الخاصة يقول: إذا
ما نظر إلي أحد من أعلي أو من الجانبين فكل ما
سيشاهده ضفدعا ذا جلد أخضر فاتح مع بقع سميكة
سوداء, ولكني أملك جانبا آخر لا يظهر للعالم فمن
تحت هذا اللون الأخضر المموه والخادع لجلد ظهري يكمن
بطن أحمر قرمزي براق ملطخ ببقع سوداء وكأنها وابل من
الكلف الشمسي,ولكنه لن يعرف كيف يمكن أن يتحول
ليصبح سلاحي, إنذار أطلقه لأي مفترس يقترب مني.
وهكذا يعلمنا الضفدع المشوه مبتور القدمين كيف يحول
عجزه إلي مصدر قوة يتغلب به علي قهر ظروفه الخاصة
لنسمع له يقول: تكمن قوتي فقط في التزامي
السكون, حين أخبيء ظهري وأظهر بطني أصرخ عاليا لكل
من يشاهدني: ابتعد.. تراجع إلي الوراء.. لا
تقترب مما يتمدد أمام ناظريك. هي قوة
الذكاءالتي لا يخلو منها مخلوق ولكن نختلف فقط في
استعمال وتوجيه هذا الذكاء. الضفدع الناري
رواية جديرة بالقراءة للصغير والكبير فهي مليئة
بدروس الإرادة والتحدي وحب الحياة برغم صعوبتها
خصوصا علي أصحاب الاحتياجات الخاصة, لتقول لنا في
النهاية: ليس اكتمال الجسم هو المهم, بل اكتمال
الإرادة هو الذي يمهد طريق النجاح.
|