جنـود الرقـي بالأطفـــال

السبت 31 / 5 / 2008

محمــد هــــلال


ليس النهوض بالطفل مقصورا علي بناء الجسم فقط وإنما بناء العقل له الدور الكبير‏,‏ ومن وسائل ذلك القراءة وتلك هي المشكلة‏,‏ فقليلون هم كتاب الطفل المميزون في عالمنا ومن يفكرون بطريقة تلائم سني عمره المختلفة‏,‏ وقليلون جدا من يتبنون بجدية نشر تلك الإبداعات برغم قلة العائد المادي من وراء هذا الاستثمار الصعب‏,‏ بما يؤكد أن المغامرة بتبني نشر كتب الأطفال بشكل مميز يليق بطفل الألفية الثالثة وسط المغريات العديدة من وسائط الإعلام وعالم الإنترنت‏,‏ رسالة أشبه بحياة الجنود‏,‏ ولكن علي ثغر الثقافة التي تحافظ علي المباديء والقيم والتقاليد‏.‏
ومن تلك المؤسسات دار البلسم والتي أخذت علي عاتقها نشر تلك الثقافة بشكل مميز‏,‏ وقد حفلت العناوين العديدة لتلك الدار بكتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد إلي ابنتي والتي لم تجد القناة الأولي للتليفزيون المصري خيرا منه للاحتفاء بعيد الأم‏,‏ فهو الكتاب العربي الوحيد من بين عشرة كتب علي مستوي العالم تحتفي بالطفل تختاره منظمة اليونيسيف ليمثل وجدان الأم العربية تجاه أبنائها‏.‏ وكذا العناوين التي لامست واقع الطفل العراقي وكيف كافحت إحدي المعلمات لإنقاذ مكتبة المدرسة ـ تاريخ العرب ـ من عملية التدمير الأمريكي الوحشي لهذا التاريخ العريق‏.‏
واليوم تقدم للطفل المصري والعربي ترجمة لواحدة من الروايات الإنجليزية المدهشة والتي حصلت علي ست جوائز عالمية للكتابة وخمس جوائز للتصميم للكاتب الإنجليزي ج‏.‏ ك مايكلز بعنوان الضفدع الناري ـ رحلة إلي قلب الفكر قام بالترجمة المميزة جدا مني الدروبي‏.‏
والضفدع الناري‏,‏ رواية مدهشة لا تقدم في السرد القصصي أو الحكايا مادة لغزو عقل وقلب القاريء الصغير‏,‏ وإنما هي نظرة فلسفية يجد فيها الطفل بغيته وتسليته‏,‏ ويجد فيها الكبار ما يداعب نظرتهم الفلسفية للوجود‏,‏ ولعل المقدمة الصغيرة للرواية تحمل في كلماتها القليلة تلك النظرة العميقة حتي يمكننا أن نقول إنها رواية كل الأعمار تقول المقدمة‏:‏ إلي جوليا‏..‏ هذه الفتاة الصغيرة التي سيتبدل مفهومها لهذه القصة كل عقد من عقود حياتها‏.‏
ولأن للرواية مذاقها الخاص فقد صدرها مؤلفها بأكثر من تمهيد يلائم كل قاريء حسب سنوات عمره‏,‏ فهناك تمهيد للصغر وآخر للمراهقين وثالث للكبار هي تهيئة للقراءة المنشودة ليس خلفية يصف من خلال المؤلف الشخصيات والحبكة القصصية والمكان وهكذا‏,‏ وإنما الهدف منها تقديم أساس وركيزة للأفكار التي تربط عالمنا اليومي بالدراما والإثارة الفلسفية واكتشاف نظرة فريدة للحياة‏,‏ ومن الطريف أن يترك لك المؤلف حرية أن تقرر سنوات عمرك الحقيقي‏,‏ هل هو عدد السنين التي عشتها أم العمر الذي تشعر به فعلا؟ وبعدها تقرر القراءة‏,‏ هي إذن رواية رمزية تذكرنا بما كان يقدمه الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم من إعمال الذهن والفكر خصوصا رائعته مصير صرصار‏.‏
الرواية بطلها ضفدع عجوز يروي مغامراته ومفاجآته التي أولاها أن له رجلين فقط وليس أربعة كالمعتاد‏,‏ وهنا تتجلي الإرادة فهو لا يشعر بنقص بل بتفوق يجلب له الأمان برغم حزنه لصغر حجمه في عالم شاسع واسع‏,‏ ومن هنا تبدأ المغامرات والمشاهدات في الضفدع العجوز المتقوقع علي نفسه والثعبان الذي يتمدد ويتلوي فالحياة ـ كما يقول ـ ماهي إلا رحلة رائعة نحو المجهول‏.‏
ويعود وصف الناري لأن بطن الضفدع بلون النار‏,‏ وفي أجزاء الرواية الثلاثة والتي يضيق المقام عن عرضها بالتفصيل يقدم لنا الضفدع رحلة الإصرار علي النجاح وتحدي العقبات برغم ظروفه الخاصة يقول‏:‏ إذا ما نظر إلي أحد من أعلي أو من الجانبين فكل ما سيشاهده ضفدعا ذا جلد أخضر فاتح مع بقع سميكة سوداء‏,‏ ولكني أملك جانبا آخر لا يظهر للعالم فمن تحت هذا اللون الأخضر المموه والخادع لجلد ظهري يكمن بطن أحمر قرمزي براق ملطخ ببقع سوداء وكأنها وابل من الكلف الشمسي‏,‏ولكنه لن يعرف كيف يمكن أن يتحول ليصبح سلاحي‏,‏ إنذار أطلقه لأي مفترس يقترب مني‏.‏ وهكذا يعلمنا الضفدع المشوه مبتور القدمين كيف يحول عجزه إلي مصدر قوة يتغلب به علي قهر ظروفه الخاصة لنسمع له يقول‏:‏ تكمن قوتي فقط في التزامي السكون‏,‏ حين أخبيء ظهري وأظهر بطني أصرخ عاليا لكل من يشاهدني‏:‏ ابتعد‏..‏ تراجع إلي الوراء‏..‏ لا تقترب مما يتمدد أمام ناظريك‏.‏
هي قوة الذكاءالتي لا يخلو منها مخلوق ولكن نختلف فقط في استعمال وتوجيه هذا الذكاء‏.‏
الضفدع الناري رواية جديرة بالقراءة للصغير والكبير فهي مليئة بدروس الإرادة والتحدي وحب الحياة برغم صعوبتها خصوصا علي أصحاب الاحتياجات الخاصة‏,‏ لتقول لنا في النهاية‏:‏ ليس اكتمال الجسم هو المهم‏,‏ بل اكتمال الإرادة هو الذي يمهد طريق النجاح‏.‏
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg